يحلّل مراد سومر وجينيفر مكوي ظاهرة التراجع الديمقراطي بوصفها التهديد الأبرز لجودة الديمقراطيات الليبرالية واستمرارها. تكشف الدراسة أن حالات التعافي من هذا التراجع نادرة؛ إذ لم تنجح سوى قلة من الدول في استعادة مستوياتها السابقة بشكل مستدام، بينما تواصل دول أخرى الانزلاق، أو تتأرجح بين التعافي والتدهور.

 

يطرح الكاتبان سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن لقوى الدفاع عن الديمقراطية أن تتصرف وسط ضبابية المشهد وتضارب التفسيرات؟


تعرض مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي إطارًا تحليليًا يفسّر هذه الحالة عبر مفهوم “عدم اليقين النظامي”، حيث يجد الفاعلون أنفسهم عاجزين عن تحديد ما إذا كانت تصرفات الحكومة تمثل سياسات عادية أم تهديدًا تدريجيًا للنظام الديمقراطي نفسه.

 

تخلق هذه الحالة انقسامات حادة بين النخب والجمهور، وتُربك عملية اتخاذ القرار في لحظات حاسمة.


معضلة “عدم اليقين”: حين يختلط الخطر بالسياسة


يفرض التراجع الديمقراطي نمطًا معقّدًا؛ إذ لا يظهر كضربة واحدة واضحة مثل الانقلابات، بل يتسلل تدريجيًا عبر أدوات قانونية ومؤسسات قائمة.

 

يواجه المدافعون عن الديمقراطية معضلة تفسير الأفعال الحكومية: هل تعبّر عن اختلاف سياسي مشروع أم تشير إلى تقويض تدريجي لمبادئ أساسية مثل سيادة القانون وحرية الإعلام؟


يدفع هذا الغموض المجتمع إلى الانقسام إلى “عالمين ذهنيين”:


فريق يدعم الحكومة باعتبارها تنفذ إصلاحات ضرورية.


وفريق يخشى أن تتحول هذه الإجراءات إلى مسار سلطوي طويل الأمد.

 

يُعمّق هذا الانقسام الاستقطاب، ويصعّب بناء توافق حول طبيعة التهديد. غالبًا ما تستخدم الحكومات خطاب “الإصلاح” أو “محاربة الفساد” لتبرير خطواتها، بينما يميل المعارضون إلى تضخيم المخاطر أحيانًا، ما يزيد الفجوة بين الطرفين.

 

ثلاث استجابات: الحذر والإنذار الاستراتيجي

 

يقسّم الكاتبان ردود الفعل إلى ثلاثة أنماط رئيسية:


الحذرون: يرفضون التصعيد قبل ظهور أدلة واضحة على تهديد خطير، ويفضّلون العمل داخل المؤسسات التقليدية.


المنذرون: يرون خطرًا وشيكًا، ويدعون إلى إجراءات استثنائية—مؤسسية أو شعبية—قبل فوات الأوان.


المنذرون الاستراتيجيون: يدركون الخطر، لكنهم يختارون التحرك بحذر داخل النظام السياسي لتجنب فقدان الدعم الشعبي أو الشرعية.


تعكس هذه الانقسامات صراعًا حقيقيًا حول الوسائل: هل يجب الالتزام بالقواعد القائمة أم كسرها لحماية الديمقراطية؟ وتظهر تجارب دول مثل تركيا وفنزويلا كيف يمكن لهذه الانقسامات أن تؤثر على مسار الأحداث، سواء عبر التصعيد أو التردد أو سوء التقدير.


فجوة مع الجمهور وخطر شلل المشاركة


تواجه قوى الدفاع عن الديمقراطية تحديًا مزدوجًا: إقناع الجمهور بوجود تهديد حقيقي دون فقدان المصداقية. حين تظل المؤسسات قائمة شكليًا، يصعب إقناع المواطنين بخطورة الوضع، ما يؤدي إلى تردد أو لامبالاة.


في المقابل، قد يؤدي الخطاب التحذيري المبالغ فيه إلى نتيجة عكسية؛ إذ يشعر المواطنون بأن اللعبة السياسية “انتهت”، فيعزفون عن المشاركة. حدث ذلك في حالات مثل فنزويلا، حيث ساهمت المقاطعة الانتخابية في تعزيز سيطرة السلطة بدل إضعافها.


تُظهر هذه المفارقة أن التوازن بين التحذير والتعبئة ليس رفاهية، بل مسألة بقاء ديمقراطي.


كيف يمكن كسر الحلقة؟ دروس عملية


تقترح الدراسة مجموعة من المسارات العملية لتجاوز حالة الارتباك:


يرصد الفاعلون مؤشرات مبكرة للتراجع بدل انتظار الأزمات الكبرى.


يبني الفاعلون خطابًا مشتركًا يشرح التهديد بلغة مفهومة للجمهور.


يثقّف القادة المجتمع حول طبيعة المخاطر والخيارات المتاحة.


يوازن صناع القرار بين الوسائل وفق السياق، دون الاعتماد على نموذج واحد.


يعترف الفاعلون بأخطاء الماضي ويعالجون أسباب السخط الشعبي التي تغذي التراجع.


تؤكد الدراسة أن النجاح لا يعتمد فقط على قوة الأدوات، بل على وضوح الرؤية والقدرة على توحيد الصفوف.


الخلاصة

 

يكشف التراجع الديمقراطي عن نفسه كرحلة بطيئة، لا كصدمة مفاجئة. يربك هذا البطء الإدراك، ويزرع الشك، ويقسم المدافعين عن الديمقراطية بين من يصرخ “الخطر قادم” ومن يرد “ليس بعد”. وبين الصوتين، قد تضيع اللحظة الحاسمة.


يفرض الواقع الجديد معادلة صعبة: لا يكفي الدفاع عن المؤسسات كما هي، ولا يكفي أيضًا إسقاطها بدعوى حمايتها. ينجح من يستطيع قراءة الإشارات المبكرة، وبناء تحالفات واسعة، والتحدث بلغة تقنع الناس قبل أن يفوت الأوان.

 

https://carnegieendowment.org/research/2026/04/alarm-or-caution-defending-democracy-during-backsliding